كشفت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية ، عن توقيع مذكرة تفاهم تاريخية بين المغرب وموريتانيا هذا الأسبوع لتفعيل مشروع الربط الكهربائي بين البلدين. يأتي هذا الإعلان خلال اجتماع لجنة البنيات الأساسية بمجلس النواب المغربي، حيث أُلقيت الضوء على رؤية المغرب لتعزيز دوره كجسر طاقي بين أوروبا وإفريقيا، وتوسيع نطاق التعاون الثنائي مع جارته الجنوبية في مجال الطاقة المتجددة والبنى التحتية الكهربائية.
تفاصيل المشروع: خطوة نحو تكامل طاقي بين المغرب وموريتانيا
أوضحت بنعلي أن زيارة نظيرها الموريتاني إلى المغرب ستُتَوّج بتوقيع مذكرة التفاهم يوم الخميس المقبل، والتي تشمل تفعيل مشروع الربط الكهربائي وتعزيز دمج الطاقات المتجددة في شبكات البلدين. وتُعد هذه المذكرة نقلة نوعية في مسار التعاون الثنائي، حيث تُنظّم التعاون الفني والاستثماري لإنشاء بنية تحتية قادرة على تبادل الكهرباء بكفاءة، مما سيسهم في تأمين الإمدادات الطاقية ودفع عجلة التنمية الاقتصادية في المناطق الحدودية.
ومن المتوقع أن يُسهم هذا المشروع في تعزيز التكامل الإقليمي، لا سيما في ظل سعي المغرب لترسيخ مكانته كقاعدة إقليمية لإنتاج ونقل الطاقة النظيفة، بينما تسعى موريتانيا إلى تنويع مصادر طاقتها والاستفادة من الإمكانات الهائلة للطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
المغرب: جسر طاقي بين إفريقيا وأوروبا
لم تكتفِ الوزيرة بالإعلان عن مشروع الربط مع موريتانيا، بل أكدت أن المغرب يطمح لأن يكون حلقة وصل استراتيجية بين القارتين الأوروبية والإفريقية. ويتجلى هذا الطموح عبر سلسلة مشاريع طموحة، منها:
- الربط الكهربائي مع إسبانيا: عبر خط ثالث بقدرة 700 ميجاواط، ليصبح إجمالي القدرة التجارية 1550 ميجاواط بعد رفع الكفاءة.
- الربط مع البرتغال: بقدرة 1000 ميجاواط، حيث جرى تحيين دراسة الجدوى خلال مؤتمر الأطراف COP28.
- اتفاقيات تبادل الكهرباء النظيفة مع دول أوروبية كإسبانيا وفرنسا وألمانيا، عبر مذكرة تفاهم وُقّعت في COP27.
هذه المشاريع تُبرز توجه المغرب لتحويل قطاع الطاقة إلى ركيزة للاقتصاد الأخضر، معتمداً على موقعه الجغرافي الفريد وإمكاناته في الطاقة الشمسية والريحية، التي تتجاوز 3000 ساعة شمسية سنوياً.
موريتانيا: شريك رئيسي في رؤية الطاقة الإقليمية
تُعتبر موريتانيا شريكاً أساسياً للمغرب في تحقيق التكامل الطاقي الإفريقي. فبالإضافة إلى الروابط الثقافية والتاريخية، تمتلك موريتانيا موارد طبيعية هائلة، خاصة في مجال الحديد والغاز، إلى جانب إمكانات متجددة واعدة. ومن خلال هذا الربط الكهربائي، ستحصل نواكشوط على فرصة لاستيراد فائض الكهرباء المغربية المولدة من مصادر نظيفة، مما سيدعم استقرار شبكتها الوطنية ويُقلص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
التنمية المستدامة: قلب الرؤية المشتركة
يرتكز التعاون بين المغرب وموريتانيا على مبادئ الاستدامة، حيث تُولي المذكرة اهتماماً خاصاً لدمج الطاقات المتجددة. وهذا يتوافق مع استراتيجية المغرب الطموحة لتغطية 52% من حاجته الكهربائية عبر مصادر متجددة بحلول 2030، بينما تسعى موريتانيا لتحقيق نسبة 50% من الطاقة النظيفة في نفس الفترة.
كما سيسهم الربط الكهربائي في تمكين المشاريع المشتركة، مثل إنشاء محطات شمسية أو ريحية في المناطق الحدودية، مما سيعزز التنمية المحلية ويوفر فرص عمل في قطاعات التكنولوجيا والبناء.
تحديات وفرص: الطريق نحو التنفيذ
رغم الإمكانات الكبيرة، يواجه المشروع تحديات تقنية ومالية، أبرزها:
- ضرورة مواءمة الأنظمة الكهربائية بين البلدين.
- تأمين التمويل اللازم، الذي قد يتطلب شراكات مع مؤسسات دولية كالبنك الإفريقي للتنمية.
- تعزيز البنى التحتية في المناطق النائية، والتي تتطلب استثمارات ضخمة.
لكن الفرص أكبر، خاصة مع تزايد الدعم العالمي لمشاريع الربط الإقليمي، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي عن خطط لاستيراد الهيدروجين الأخضر من المغرب، مما قد يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثلاثي (أوروبا-المغرب-موريتانيا).
رؤية مستقبلية: نحو شبكة كهرباء إفريقية موحدة
لا يقتصر التعاون بين المغرب وموريتانيا على الجانب الثنائي، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لربط دول غرب إفريقيا بشبكة كهرباء موحدة، تمهيداً لسوق إقليمية تكاملية. وقد بدأت هذه الرؤية تتحقق عبر مبادرات مثل “مشروع الربط الكهربائي لدول غرب إفريقيا” (WAPP)، الذي يضم 14 دولة، ويهدف لإنشاء سوق كهرباء مشتركة بحلول 2030.
: شراكة نموذجية في زمن التحولات الطاقية
يمثل توقيع المغرب وموريتانيا على مذكرة التفاهم خطوة محورية في مسار التعاون الإفريقي، وإشارة قوية لقدرة الدول النامية على قيادة التحول نحو الاقتصاد الأخضر. وفي ظل التحديات المناخية العالمية، تُقدم هذه الشراكة نموذجاً للتعاون القائم على الاستدامة والمنفعة المتبادلة، مما يعزز الأمن الطاقي ويُسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030.
لم يعد الربط الكهربائي بين المغرب وموريتانيا مجرد مشروع تقني، بل هو جسر للتنمية المشتركة، وعنصر محوري في رؤية إقليمية طموحة تضع الطاقة النظيفة في قلب المستقبل الإفريقي.
