في قلب العاصمة الإسماعيلية مكناس، حيث يمتزج عبق التاريخ بسحر الإيقاع، تعود الأنغام العيساوية لتتردد بين أزقة المدينة، معلنةً انطلاق الدورة الخامسة من مهرجان عيساوة، ذلك الحدث الثقافي والفني الذي لا يُعتبر مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل يُعدّ تعبيرًا حيًا عن هوية روحية ضاربة في عمق الوجدان المغربي.
من 23 إلى 26 يوليوز 2025، ستكون مكناس على موعد جديد مع المجد، حيث تحتضن المدينة فعاليات هذا المهرجان البهي، في دورة تُعدّ استثنائية من حيث التنظيم والمشاركة، والرهان على إشعاع تراث الطريقة العيساوية محليًا ودوليًا.
حين تنطق المدينة بالموسيقى
المدينة العتيقة لمكناس، التي احتضنت عبر القرون طقوس الطريقة العيساوية، تعيش اليوم لحظة استثنائية من الوفاء والتجديد. مهرجان عيساوة هو أكثر من مجرد احتفال؛ إنه عودة للذات، وارتباط بجذور صوفية وروحية شكلت وجدان أهل المدينة، ورسّخت مكانتها كواحدة من أهم الحواضر الروحية بالمغرب.
ومن اللافت أن هذا المهرجان لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة شراكة واسعة بين مؤسسات محلية وجهوية ووطنية، في مقدمتها مجلس جهة فاس – مكناس، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، وعمالة مكناس، وجماعة المدينة، وجمعية مكناس الثقافات، إضافة إلى هيئات أخرى انخرطت في مشروع جماعي يُعيد ترميم العلاقة بين التراث والمدينة.
35 طائفة عيساوية… تنشد الحياة

ما يميز هذه الدورة بالذات من مهرجان عيساوة هو المشاركة الواسعة للطوائف العيساوية من مختلف مدن المغرب. حيث سيُشارك في إحياء ليالي مكناس أكثر من 35 طائفة عيساوية، تمثل تنوعًا مذهلًا في الأداء واللباس والإيقاع، لكنها تجتمع في جوهرها على نفس الروح الصوفية التي تنشد السكينة والقرب من الله.
من فاس، إلى الرباط، ومن مراكش إلى طنجة، ستحضر الطوائف لتقدّم أروع ما في ذاكرتها الجماعية، وسط جمهور متعطش لسماع الأهازيج والضربات التي تُحرك القلوب وتوقظ الأحاسيس. هذه الفرق لا تقدم فقط عروضًا فنية، بل تستحضر طقوسًا عمرها قرون، تحمل في طياتها فلسفة الحياة الصوفية كما عُرفت في المغرب.
انفتاح مغاربي وروح كونية
في تأكيد لطبيعة الطريقة العيساوية العابرة للحدود، ستستقبل الدورة الخامسة من المهرجان فرقًا صوفية من تونس وليبيا، ممن تأثروا بالعيساوية وتبنوها ضمن طقوسهم. هذه المشاركة تُعطي للمهرجان بُعدًا مغاربيًا أصيلًا، وتجعل منه فضاءً للتبادل الثقافي العميق بين الشعوب المتقاربة روحًا وتاريخًا.
فمهرجان عيساوة لا يحتفل فقط بالموروث المحلي، بل يُعلي من شأن المشترك الإنساني بين الأمم، ويجعل من التصوف المغربي بوابة للحوار والتلاقي بدل الانغلاق والانكفاء.
فضاءات تنطق بالحضارة
ستحتضن فعاليات مهرجان عيساوة في هذه النسخة أربعة فضاءات رئيسية، جرى اختيارها بعناية لتلائم رمزية المناسبة وطبيعة العروض:
- باب منصور العلج: التحفة المعمارية التي تسترجع أمجاد مكناس.
- ساحة لاكورا: وسط المدينة الجديدة، حيث يلتقي التراث بالمعاصرة.
- قاعة الفقيه محمد المنوني: فضاء الفكر والمعرفة.
- ساري السواني: موقع تاريخي بامتياز يعكس عبقرية المكان والزمان.
اختيار هذه المنصات لا يعكس فقط رغبة في التنوع المكاني، بل يُؤكد إرادة المنظمين في تثمين المعالم التاريخية للمدينة، وربط الفن بالتراث، والحياة اليومية بالأبعاد الروحية.
المتحف العيساوي: ذاكرة تُعرض للعامة
ولأول مرة، ستشهد فعاليات المهرجان إقامة متحف خاص بالطريقة العيساوية، يُعرض فيه ما تختزنه الذاكرة الجماعية من أدوات ومخطوطات وصور ولباس تقليدي وآلات موسيقية، تمثل مراحل تطور هذا الفن الروحي الفريد.
فالمتحف سيكون بمثابة توثيق بصري وتاريخي لذاكرة مكناس والمغرب معًا، حيث يُمكن للزائر أن يعيش التجربة العيساوية في أبعادها الفنية، الاجتماعية، والروحية.
البعد العلمي: ملتقى مكناس الدولي للتصوف
بعيدًا عن الطقوس والعروض، يحمل مهرجان عيساوة هذه السنة بعدًا علميًا رصينًا، يتمثل في ملتقى مكناس الدولي للتصوف، الذي سيعرف مشاركة نخبة من العلماء والمفكرين المغاربة والعرب والأفارقة، لمناقشة مواضيع آنية من قبيل:
- العلاقة بين التصوف والقضاء
- التصوف والهجرة
- دور التصوف في الأمن الروحي
- العناية المولوية لأمير المؤمنين بالتراث الصوفي وامتداداته العالمية
هذه الندوات ليست فقط تأملًا فكريًا، بل تعبير عن مكانة التصوف المغربي كركيزة أساسية للاستقرار، والتعايش، والانفتاح الروحي.
مهرجان عيساوة: احتفال بالهوية وإحياء للذاكرة
ما يجعل مهرجان عيساوة فريدًا في نوعه هو ذلك المزج المتقن بين المتعة الفنية والعمق الروحي، بين المظاهر الاحتفالية والرؤية الفكرية. إنه ليس مهرجانًا كغيره، بل مناسبة تفتح أبواب المدينة على تاريخها وهويتها، وتُشرك الجميع – من المواطن البسيط إلى الباحث الأكاديمي – في حوار متعدد الأبعاد.
وعلى امتداد الأيام الأربعة، ستتحول مكناس إلى عاصمة للعيساوية، تنبض شوارعها بالحياة، وتمتلئ فضاءاتها بالألوان والأصوات، بينما تتردد “العدة” في الأحياء القديمة، ويُقام الكرنفال التقليدي على الطريقة العيساوية، حيث تسير الطوائف في مواكب نحو ضريح الشيخ الكامل، في مشهد فني شعبي روحاني لا يُنسى.
شاهد الفيديو لتتعرف على الرؤية الجديدة، التنظيم، القيم الثقافية والروحية للمهرجان، ودوره في تسويق الصورة الترابية لمدينة مكناس والارتقاء بتراثها العريق. مع الدكتور حاتم ابن عبدالكريم الرئيس التنفيذي للنسخة الخامسة من مهرجان عيساوة بمكناس
من مكناس إلى العالم
مهرجان عيساوة هو صوت من الماضي يُنشد في الحاضر، كي يصل صداه إلى المستقبل. هو وعد بالتجدد، واحتفاء بجذور لا تموت. ومن خلال هذه الدورة، تضع مكناس نفسها مجددًا على خارطة الثقافة العالمية، كمدينة لا تكتفي بالحفاظ على تراثها، بل تُعيد بعثه بروح عصرية وانفتاح مغاربي وعالمي.
فمن خلال مهرجان عيساوة، نقول إن التراث ليس شيئًا في المتحف فقط، بل هو إيقاع في الشارع، وأغنية في القلب، وصوت يجمعنا رغم اختلافنا، لأنه صوت الإنسان حين يبحث عن السكينة، في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التصوف، لا كطقس، بل كأسلوب حياة.
